مجمع البحوث الاسلامية
819
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ما سمعها ، فإضلاله إنّما يمكن بإخفاء تلك الدّلائل عنه ، ومنعه من الوصول إليها . فقوله : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ إشارة إلى القسم الأوّل وهو تشويش الدّلائل عليه ، وقوله : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ إشارة إلى القسم الثّاني وهو منعه من الوصول إلى الدّلائل . واعلم أنّ الأظهر في « الباء » الّتي في قوله : ( بالباطل ) أنّها باء الاستعانة ، كالّتي في قولك : كتبت بالقلم ، والمعنى ولا تلبسوا الحقّ بسبب الشّبهات الّتي توردونها على السّامعين ؛ وذلك لأنّ النّصوص الواردة في التّوراة والإنجيل في أمر محمّد عليكم كانت نصوصا خفيّة ، يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال . ثمّ إنّهم كانوا يجادلون فيها ويشوّشون وجه الدّلالة على المتأمّلين فيها بسبب إلقاء الشّبهات ، فهذا هو المراد بقوله : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ فهو المذكور في قوله : وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ المؤمن : 5 . ( 3 : 43 ) القرطبيّ : الباطل في كلام العرب : خلاف الحقّ ، ومعناه الزّائل . [ إلى أن قال : ] واختلف أهل التّأويل في المراد بقوله : الحق بالباطلفروي عن ابن عبّاس وغيره : لا تخلطوا ما عندكم من الحقّ في الكتاب بالباطل ، وهو التّغيير والتّبديل . وقال أبو العالية : قالت اليهود : محمّد مبعوث ولكن إلى غيرنا ، فإقرارهم ببعثه حقّ ، وجحدهم أنّه بعث إليهم باطل . وقال ابن زيد : المراد ب ( الحقّ ) : التّوراة ، و ( الباطل ) : ما بدّلوا فيها من ذكر محمّد عليه الصّلاة والسّلام وغيره . وقال مجاهد : لا تخلطوا اليهوديّة والنّصرانيّة بالإسلام ، وقاله قتادة ، وقد تقدّم . قلت : وقول ابن عبّاس أصوب ، لأنّه عامّ فيدخل فيه جميع الأقوال ، واللّه المستعان . ( 1 : 341 ) أبو حيّان : [ بعد نقل أقوال ابن عبّاس ، ومجاهد ، وابن زيد ، وأبو العالية ، قال : ] أو إيمان منافقي اليهود بإبطان كفرهم ، أو صفة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بصفة الدّجّال . وظاهر هذا التّركيب أنّ « الباء » في قوله : ( بالباطل ) للإلصاق كقولك : خلطت الماء باللّبن ، فكأنّهم نهوا عن أن يخلطوا الحقّ بالباطل ، فلا يتميّز الحقّ من الباطل . وجوّز الزّمخشريّ أن تكون « الباء » للاستعانة كهي في : كتبت بالقلم ، قال : كان المعنى ولا تجعلوا الحقّ ملتبسا مشتبها بباطلكم . وهذا فيه بعد عن هذا التّركيب ، وصرف عن الظّاهر بغير ضرورة تدعوا إلى ذلك . ( 1 : 179 ) 2 - يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ . آل عمران : 71 ابن عبّاس : بإظهار الإسلام ، وإبطان النّفاق ، وفي قلوبهم من اليهوديّة والنّصرانيّة مأمنا ، لأنّهم يدعون إلى إظهار الإسلام في صدر النّهار والرّجوع عنه في آخره ، لتشكيك النّاس فيه . مثله قتادة . الطّوسيّ 2 : 497 )